محمود توفيق محمد سعد
191
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
ثمّ عقبها بآية الكرسيّ التي هي الأعظم من دلائل التوحيد ، فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قول اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 21 ) إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل النبوّة المفتتح بها قصص بني إسرائيل ، فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصّتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جريا على الأسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء ، فكان خلاصة ذلك كأنّه قيل ( ألم ) تنبيها للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه ، فلمّا ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل : يا أيها النّاس ، فلمّا عظم التّشوف قال " اعبدوا ربكم " ثمّ عينه بعد وصفه بما بينه بقوله عزّ وجلّ : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( البقرة : 255 ) كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة " التوحيد " : " آل عمران " المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النّصارى وغيرهم ، وتختتم قصصهم بقوله عزّ وجلّ : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( آل عمران : 193 ) يعنى بالمنادي - واللّه سبحانه وتعالى أعلم - القائل : " يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ " ( البقرة : 21 ) إلى آخرها . » « 1 » وإذا ما نظرت في موقفه من تصاعد المعنى القرآني في سورة البقرة وتناسل تلك المعاني عند تأويله الآية التي يذهب إلى أنها خاتمة سورة البقرة على الرغم من أنها متلوة بثلاثين آية أخرى : " آية الكرسيّ " « 2 » تسمعه قائلا : " ولمّا ابتدأ سبحانه وتعالى " الفاتحة " كما مضى بذكر الذات ثمّ تعرّف بالأفعال ؛ لأنها مشاهدات ، ثمّ رقّى الخطاب إلى التعريف بالصّفات ، ثمّ أعلاه رجوعا إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة [ سورة البقرة ] بصفة الكلام [ يقصد قوله : ذلك الكتاب . . . ] ؛ لأنّها أعظم المعجزات ، وأبينها ،
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 3 / 442 ( 2 ) - السابق : 4 / 198